الوكالة الفرنسية لسلامة الأغذية والبيئة والصحة المهنية: وسائل التواصل الإجتماعي تضر بالصحة النفسية للمراهقين

على مدار خمس سنوات، وبالإستعانة بآلاف الخبراء العلميين من مختلف التخصصات، حاولت الوكالة الفرنسية للأغذية والبيئة والصحة والسلامة المهنية الإجابة عن السؤال التالي: ماهي آثار وسائل التواصل الإجتماعي على صحة المراهقين؟ وفي أحدث دراسة لها نشرت الوكالة أمس الثلاثاء 13 جانفي نتائج رصدها للآثار الجسدية والنفسية لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي على الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و15 عامًا.
لأول مرة، تتجاوز الدراسة آثار الشاشات على العينين والنوم واستقرار نمط الحياة، لتبحث أيضًا في محتوى الأدوات الرقمية والتفاعل العاطفي الذي تولده، بهدف إستخلاص توصيات. وهي قضية صحية عامة على قدر كبير من الأهمية، نظرًا لأن واحدًا من كل مراهقَين يقضي ما بين ساعتين وخمس ساعات يوميًا على وسائل التواصل الاجتماعي، و أفاد 58% من المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عاماً بتصفح مواقع التواصل الاجتماعي يومياً. وينشر معظمهم محتواهم الخاص أو يشاركون محتوى الآخرين ويعلقون عليه.
وعند التطرق للموضوع نجد أن الكثير قد قيل وكتب عن تأثير الشاشات على الشباب: الضوء الأزرق، وقلة الحركة، وضعف التركيز… ولكن نموذج عمل الشبكات الاجتماعية يعتمد خاصة على جذب الإنتباه. وذلك من خلال التصميم، الإشعارات، والتدفق المستمر للفيديوهات، ونظام الإعجاب… كل هذه الإستراتيجيات ذات آثار ملموسة على المراهقين الذين لم يكتمل نمو أدمغتهم بعد، وهم أكثر عرضة للإضطرابات النفسية، خاصة وأنهم في مرحلة تكوين شخصيتهم وتعزيز هويتهم. دون أن ننسى إعتماد هذه الإستراتيجيات على آليات تحفيزية قوية، مثل واجهات المستخدم التلاعبية (الأنماط الخادعة) والخوارزميات التي تقدم محتوى شديد التخصيص. وبذلك يمكنها إحداث “تأثير حلزوني” حيث يقع المستخدمون في فخ محتوى متزايد الإستهداف، وأحيانًا متطرف.
وتستغل الشبكات الإجتماعية، كما هي مصممة اليوم، الإحتياجات الخاصة للمراهقين من حيث التفاعل الإجتماعي والمقارنة، والأحاسيس والمخاطرة، فضلاً عن البحث عن التقدير من أقرانهم، وييعتبرالخبراء أن فترة المراهقة مرحلة حساسة في نمو وتكوين الهوية الفردية والإجتماعية، خاصة وأن للمراهقين قدرة أقل على التنظيم العاطفي والسلوكي مقارنة بالبالغين، مما يجعلهم عرضة بشكل خاص للآثار السلبية للشبكات الإجتماعية.
ومن أبرز الآثار الصحية، ما يلاحظ في مجال الصحة النفسية، كاضطرابات النوم حيث يؤدي الإفراط في إستخدام وسائل التواصل الإجتماعي إلى تأخير موعد الخلود إلى النوم. كما أن قلة النوم وتدني جودته تُسبب النعاس والتوتر والحزن أثناء اليوم الموالي، وقد تُساهم في ظهور أعراض الإكتئاب، ثم إنها تعرض محتويات مرتبطة بسلوكيات خطرة وتدعو ضمنيا لتبنيها، مثل التشجيع على إنتشار التحديات التي قد تودي إلى الموت (مثل تحدّي القرفة، وتحدّي لابيلو، وغيرها) وكما تصور الحصول على المخدرات وإستعمالها تصرفا عاديا دون عواقب بالإضافةإلي التشجيع على إضطرابات الأكل، وإيذاء النفس و محاولات الإنتحار.
كما تعرض وسائل التواصل ومنصاته المراهقين للعنف الإلكتروني والتنمر الإلكتروني الذي يُعدّ مصدر قلقٍ حقيقي (كالإهانات، والشائعات، والإقصاء، والإبتزاز، أو نشر صور حميمة دون موافقة) مما يؤثر سلبا على الصحة النفسية، كما سهٌل إخفاء الهوية و إنتشار التهديدات الإنخراط في العنف الإلكتروني.
ويُمكن أن يُؤدي تبادل المحتوى المرئي الذي يُركز على المظهر الجسدي، سواءً من خلال الصور المُعدّلة أو غير المُعدّلة، إلى تشويه صورة الجسم. هذه الممارسات، بالإضافة إلى الضغوط المجتمعية للتوافق مع معايير الجمال الجسدي، يُمكن أن تُفاقم اضطرابات الأكل. علاوة على ذلك، تُؤكد آراء الخبراء أن التعرض لمحتوى خيالي أو مثالي على وسائل التواصل الإجتماعي يُمكن أن يُؤدي إلى تدني تقدير الذات، وبالتالي يُهيئ بيئة خصبة لظهور أعراض الإكتئاب.
اللافت أن الفتيات أكثر تأثراً الشبكات الإجتماعية من الفتيان فهن يمضين وقتا أكبر في تصفح المواقع ويولين أهمية أكبر لما يحدث فيها. كما أنهن أكثر عرضة للتنمر الإلكتروني والضغط الإجتماعي. وتشير الوكالة الوطنية لسلامة الأغذية والبيئة والصحة المهنية إلى صورة الجسد وحصر معايير الجمال في النحافة على وجه الخصوص، والتي تُعد عامل خطر رئيسي لإضطرابات الأكل. وقد تم توثيق ذلك لعقود، لا سيما في مجلات الموضة.
ما إسترعى إهتمام الهيئة الصحية، سمة مُحدّدة تكمن خطورتها في جدتها، ففي مواقع التواصل الإجتماعي لا يُقارن المراهقون أنفسهم بعارضات الأزياء، بل بغيرهم من الشباب، ممّا يُعزّز مشاعر عدم الرضا.
إستنادًا إلى هذه الملاحظات، أصدرت الوكالة الفرنسية للأغذية والبيئة والصحة والسلامة المهنية جملة من التوصيات تمثل أبرزها في السماح باستعمال الشبكات الإجتماعية التي تسعى لحماية صحة المراهقين والقصد هنا أن يتمكن القاصرون فقط من الوصول إلى الشبكات الاجتماعية المصممة والمُهيأة لحماية صحتهم كما أوصت الوكالة المنصات الرقمية تطبيق الحد الأدنى للسن الذي حددته اللائحة العامة لحماية البيانات لمنع وصول من هم دون سن 13 عامًا إلى الشبكات، مع وجود أنظمة موثوقة للتحقق من العمر والحصول على موافقة الوالدين.
بالاضافة إلى عدم إستخدام تقنيات واجهة التلاعب، ومنع نشر المحتوى الضار بالصحة (السلوك المحفوف بالمخاطر، والمقامرة، والحميات الغذائية المتطرفة، والمحتوى العنيف، الإباحي، الكراهية، التحرش….)، والحد من تضخيم المحتوى الضار بالصحة، وتنظيم الميزات التي تهدف إلى زيادة استخدام الخدمة أوالحفاظ عليها أو تمديدها من قبل المتصفح .
وتؤكد الوكالة في تقريرها على مسؤولية المنصات في ضمان حماية خدماتها على وسائل التواصل الإجتماعي لصحة المستخدمين القاصرين. ويتطلب إنفاذ هذه المسؤولية إتخاذ تدابير تنظيمية صارمة ومراقبة دقيقة. ولتحقيق هذه الغاية، تشدد الوكالة الوطنية لسلامة الأغذية والبيئة والعمل على أهمية الإمتثال لقانون الخدمات الرقمية الأوروبي، الذي دخل حيز التنفيذ في 17 فيفري 2024.
ووفقًا لأوليفييه ميركل، رئيس وحدة تقييم المخاطر المتعلقة بالعوامل الفيزيائية، فإن “الآثار السلبية العديدة على صحة المراهقين التي تم تسليط الضوء عليها وتوثيقها من خلال مراجعة الخبراء هذه التابعة لوكالة تستلزم إعتماد إطار حوكمة لوسائل التواصل الإجتماعي يتناسب مع تحديات الصحة العامة”.
كما تقترح الوكالة تعزيز التثقيف الرقمي، بمشاركة المراهقين وأولياء أمورهم والمدارس، لتحديد أفضل الممارسات وتشجيع الإستخدام المسؤول. و توصي بتكثيف جهود الوقاية من الآثار الصحية للشبكات الإجتماعية، من خلال حملات توعية وتكثيف مكافحة التنمر الإلكتروني.



